الآلوسي

58

تفسير الآلوسي

* ( إن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * جوابه محذوبه ثقة بدلالة الاستفهام عليه أي إن كنتم من أهل العلم ومن العقلاء أو عالمين بذلك فأخبروني به . وفي الآية من المبالغة في الاستهانة بهم وتقرير فرط جهالتهم ما لا يخفى . ويقوى هذا أنه أخبر عن الجواب قبل أن يجيبوا * ( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) * . * ( سَيَقُولُونَ لله ) * فإن بداهة العقل تضطرهم إلى الاعتراف بأنه بسحانه خالقها فاللام للملك باعتبار الخلق * ( قُلْ ) * أي عند اعترافهم بذلك تبكيتاً لهم * ( أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) * أي أتعلمون أو أتقولون ذلك فلا تتذكرون أي من فطر الأرض ومن فيها ابتداء قادر على إعادتها ثانياً فإن البدء ليس بأهون من الإعادة بل الأمر بالعكس في قياس المعقول . وقرئ * ( تتذكرون ) * على الأصل . * ( قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) * . * ( قُلْ مِن رَّبُّ السَّمَوَات السَّبْع وَرَبُّ الْعَرْش الْعَظيم ) * أعيد لفظ الرب تنويها بشأن العرش ورفعاً لمحله من أن يكون تبعاً للسموات وجوداً وذكراً . وقرأ ابن محيصن * ( العظيم ) * بالرفع نعتاً للرب . * ( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) * . * ( سَيَقُولُونَ لله ) * قرأ أبو عمرو . ويعقوب بغير لام فيه وفيما بعده ولم يقرأ على ما قيل في السابق بترك اللام والقراءة بغير لام على الظاهر وباللام على المعنى وكلا الأمرين جائزان فلو قيل : من صاحب هذه الدار ؟ فقيل : زيد كان جواباً عن لفظ السؤال ، ولو قيل : لزيد لكان جواباً على المعنى لأن معنى من صاحب هذه الدار ؟ لمن هذه الدار وكلا الأمرين وارد في كلامهم ، أنشد صاحب المطلع : إذا قيل من رب المزالف والقرى * ورب الجياد الجرد قلت لخالد وأنشد الزجاج : وقال السائلون لمن حفرتم * فقال المخبرون لهم وزير * ( قُلْ ) * إفحاماً لهم وتوبيخاً * ( أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) * أي أتعلمون ذلك ولا تتقون أنفسكم عقابه على ترك العمل بموجب العلم حيث تكفرون به تعالى وتنكرون ما أخبر به من البعث وتثبتون له سبحانه شريكاً . * ( قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) * . * ( قُلْ مَنْ بيَده مَلَكُوتُ كُلّ شَيء ) * مما ذكر ومما لم يذكر ؛ وصيغة الملكوت للمبالغة في الملك فالمراد به الملك الشامل الظاهر ، وقيل : المالكية والمدبرية ، وقيل : الخزائن * ( وَهُو يُجيرُ ) * أي يمنع من يشاء ممن يشاء * ( وَلاَ يُجَارُ عَلَيْه ) * ولا يمنع أحد منه جل وعلا أحداً ، وتعدية الفعل بعلى لتضمينه معنى النصرة أو الاستعلاء * ( إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * تكرير لاستهانتهم وتجهيلهم على ما مر . * ( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ) * . * ( سَيَقُولُونَ لله ) * ملكوت كل شيء والوصف بأنه الذي يجير ولا يجار عليه * ( قُلْ ) * تهجيناً لهم وتقريعاً * ( فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ) * كيف أو من أين تخدعون وتصرفون عن الرشد مع علمكم به إلى ما أنتم عليه من البغي فإن من لا يكون مسحوراً مختل العقل لا يكون كذلك ، وهذه الآيات الثلاث أعني * ( قل لمن ) * إلى هنا على ما قرر في " الكشف " تقرير للسابق وتمهيد للاحق وقد روعي في السؤال فيها قضية الترقي فسئل عمن له الأرض ومن فيها ، وقيل : * ( من ) * تغليباً للعقلاء ولأنه يلزم أن يكون له غيرهم من طريق الأولى ثم سئل عمن له السماوات والعرش العظيم والأرض بالنسبة إليه كلا شيء ثم سئل عمن بيده ملكوت كل شيء فأتى بأعم العام وكلمة الإحاطة وأوثر الملكوت وهو الملك الواسع ، وقيل : * ( بيده ) * تصويراً وتخييلاً وكذلك روعي هذه النكتة في الفواصل فعيروا أولاً بعدم التذكر فإن أيسر النظر يكفي في انحلال عقدهم ثم بعدم الاتقاء وفيه وعيد ثم بالتعجب من خعد عقولهم فتخيل الباطل